الحلبي

503

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب » : أي ويقال له قرن المنازل ، وهو ميقات أهل نجد الحجاز أو اليمن ، بينه وبين مكة يوم وليلة . وفي لفظ « وهو موضع على ليلة من مكة وراء قرن » بسكون الراء . ووهم الجوهري في تحريكها ، وفي قوله إن أويسا القرني منسوب إليه ، وإنما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد كما ثبت في مسلم « فرفعت رأسي ، فإذا أنا بالسحابة قد أظلتني ؛ فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام ، فنادى فقال : قد سمع قول قومك لك - أي أهل ثقيف كما هو المتبادر - وما ردوا عليك به ، وقد بعثت إليك بملك الجبال فتأمره بما شئت فيهم ، فناداه صلى اللّه عليه وسلم ملك الجبال وسلم عليه ، وقال له : إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت » أي وهما جبلان يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى . فمن الأول قوله : وهما أبو قبيس وقعيقعان . وقيل الجبل الأحمر الذي يقابل أبا قبيس المشرف على قعيقعان ، ومن الثانية الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد . وفيه أن ثقيفا ليسوا بينهما ، بل الجبلان خارجان عنهم فيكف يطبقهما عليهم ؟ وفي لفظ « إن شئت خسفت بهم الأرض أو دمدمت عليهم الجبال » أي التي بتلك الناحية . ثم رأيت الحافظ ابن حجر ، قال : المراد بقوم عائشة في قوله : لقد لقيت من قومك قريش : أي لا أهل الطائف الذين هم ثقيف ، لأنهم كانوا هم السبب الحامل على ذهابه صلى اللّه عليه وسلم لثقيف ؛ ولأن ثقيفا ليسوا قوم عائشة رضي اللّه تعالى عنها ؛ وعليه فلا إشكال . ويوافقه قول الهدى : فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه صلى اللّه عليه وسلم ملك الجبال يستأمره أن يطبق على أهل مكة الأخشبين : وهما جبلاها التي هي بينهما . وعبارة الهدى في محل آخر : وفي طريقه صلى اللّه عليه وسلم أرسل اللّه تعالى إليه ملك الجبال ، فأمره بطاعته صلى اللّه عليه وسلم ؛ وأن يطبق على قومه أخشبي مكة ؛ وهما جبلاها إن أراد ، هذا كلامه . ولا يخفى أن هذا خلاف السياق ، إذ قوله « وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي » إلى آخره ، وقول جبريل « قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك به » ظاهر في أن المراد بهم ثقيف لا قريش . ويوافق هذا الظاهر قول ابن الشحنة في شرح منظومة جده بعد أن ساق دعاءه صلى اللّه عليه وسلم المتقدم بعضه « فأرسل اللّه عز وجل جبريل ومعه ملك الجبال ؛ فقال إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين » وحينئذ يكون المراد أطباقهما عليهم بعد نقلهما من محلهما إلى محل ثقيف الذي هو الطائف لأن القدرة صالحة . وعند قول ملك الجبال له ما ذكر قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « بل أرجو أن يخرج اللّه تعالى » وفي رواية « أستأني بهم لعل اللّه أن يخرج من أصلابهم من يعبد اللّه تعالى لا